جبران ومي زيادة حب لا يموت

جبران ومي زيادة حب لا يموت

من كان يتصور أن يولد حُبٌ عميقٌ وصادقٌ من اللالقاء!

حبٌ قُدِّرَ له أن يظل راسخاً رغم عتباتِ المسافات الطويلة

حُبٌ قُلعت لأجلهِ الكثيرُ من الأشجار لتكون أوراقاً تُكتبُ فيها صلاةُ الحب الطاهرة التي لاتزالُ تُقرأ وتٌردد إلى يومِنا هذا!


ميّ زيادة الكاتبة والأديبة التي ذاعَ صيتها آنذاك وألتفَ حولها الكثير من المعجبين والمُحبين

فقد سلبت قلوب الجميع بصفاتها التي لا يكررها الزمان ولم يحظَ بقلبها سوى شخصٍ واحد يُدعى"جبران".

كانت تقول: "إني أخافُ الحُبَ كثيراً.. لكن القليل من الحب لا يُرضيني"

إتسم حٌبها لجبران بالكثير من العنفوان والخوف بالرغم من حُبها العميقِ له إلا أنها ظلت تُعاني من هذا الحُب بسبب العادات الشرقية التي تربت عليها.

في الجهةِ المقابلة جبران خليل جبران الشاعر والأديب والرسام الذي تملكت ميّ وجدانه وتعلّت عرش قلبهِ وحدها رغم هالة المعجبات وكثرةَ العشيقات له!

عاش جبران في أمريكا وتربى في أجواءٍ وعاداتٍ غربية وربما هذا أكثر ماكان يقلقُ ميّ.

أن يجمع الحُب بين كاتبين أدبيين هذا مايجعل أيّ رسالةٍ ذاتيةٍ بينهما أقرب لأن تكون نتاجاً أدبياً فريداً،

وهذا ماحدث حقاً في رسائل جبران وميّ التي دامت المراسلات بينهما لعشرين عامًا منذ 1911 وحتى وفاة جبران في نيويورك عام 1931.

رسالة إعترافهما بالحب

في بداية المراسلات، اتسمت لغة مي بالحذر، واكتفت باللهجة الرسمية في الخطاب. لكنها مع الوقت، وقعت اسيرة لكلمات جبران، وتحركت عاطفتها له٬ ومع ذلك آثرت التهرب من مشاعرها إلى أن إستجمعت قواها وأعترفت له بمشاعرها بعد مرور 13 سنةٍ من المراسلات ،

كانت حينها قد تجاوزت الخامسة والثلاثين من عمرها و تجاوزت عقدة المرأة الشرقية.

وجاء في رسالتِها له..

من مي الى جبران

القاهرة ١5 كانون الثاني 1924

" جبران !

لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب. ان الذين لايتاجرون بمظهر الحب، ينمّي الحب في أعماقهم قوه ديناميكيه رهيبه، قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللألأ السطحي، لأنهم لايقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر. ويفضّلون تضليل قلوبهم عن ودائعها، والتلهي بما لاعلاقه له بالعاطفه. يفضلون أي غربه، وأي شقاء ( وهل من شقاء وغربه في غير وحدة القلب ؟) على الأكتفاء بالقطرات الشحيحه.

مامعنى هذا الذي اكتبه؟ اني لا أعرف ماذا أعني به! ولكني أعرف انك ” محبوبي ”، وأني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير. الجفاف والقحط واللا شيء بالحب خير من النزر اليسير، كيف أجسرعلى الأفضاء اليك بهذا؟ وكيف أفرّط فيه؟ لا أدري. الحمدلله اني اكتبه على ورق ولا أتلفّظ به، لأنك لو كنت حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني الا بعد أن تنسى. حتى الكتابة ألوم نفسي عليها احياناً، لأني بها حرة كل هذه الحريه. قل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى. فإني أثق بك، وأصدق بالبداهه كل ماتقول! وسواء كنت مخطئه فان قلبي يسير اليك، وخير مايفعل هو أن يظل حائماً حواليك، يحرسك ويحنو عليك.

غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال الأشكال والألوان، حصحصت نجمه لامعه واحده هي الزهره، اترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وجد فيها من هي مثلي، لها جبران واحد، تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم ان الظلام يخلف الشفق، وان النور يتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيره قبل أن ترى الذي تحبه. فتتسرب اليها كل وحشة الشفق، وكل وحشة الليل، فتلقي القلم جانباً لتحتمي من الوحشه في إسم واحد : جبران ! "



ورد جبران على رسالتِها قائلاً..


من جبران إلى مي

نيويورك 26شباط 1924

"نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة، وأنت تعلمين يا ماري أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية، أحب الثلج، أحب بياضه، وأحب هبوطه، وأحب سكوته العميق. وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهول حتى يتساقط مرفرفاً، ثم يتلألأ بنور الشمس، ثم يذوب ويسير أغنيته المنخفضة.

أحب الثلج وأحب النار، وهما من مصدر واحد، ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع. ما ألطف من قال:

يا مي عيدك يوم

وأنت عيد الزمان

انظري يا محبوبتي العذبة إلى قدس أقداس الحياة، عندما بلغت هذه الكلمة ((رفيقة)) ارتعش قلبي في صدري، فقمت ومشيت ذهاباً في هذه الغرفة كمن يبحث عن رفيقه. ما أغرب ما تفعله بنا كلمة واحدة في بعض الأحايين! وما أشبه تلك الكلمة الواحدة برنين جرس الكنيسة عند الغروب! إنها تحول الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت، ومن العمل إلى الصلاة.

تقولين لي أنك تخافين الحب.

لماذا تخفين يا صغيرتي؟

أتخافين نور الشمس؟

أتخافين مد البحر؟

أتخافين مجيء الربيع؟

لماذا يا ترى تخافين الحب؟

أنا أعلم أن القليل من الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كلَ شيء. نحن نريد الكمال. أقول يا ماري إن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلاً من أظلال الله، فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.

لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.

اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب، ولقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت. وأنا اليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة، فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرين طليقين نحو قمة جبالنا؟

والآن قربي جبهتك. قربي جبهتك الحلوة – والله يباركك ويحرسك يا رفيقة قلبي الحبيبة."

جبران




عندما يُريدُ القدر..

لكن سرعان ما أنتهى هذا الحُلم الجميل بموت جبران في نيويورك في 10 أبريل/نيسان 1931 عن عمر يناهز 48 ، بسبب المرض الذي عانى آخر سنوات حياته منه وهو السل وتليف الكبد.

حاولت ميّ إستجماع روحها وكتابة أحزانِها وآلامها دفعةَ واحدة ..

دفعةً واحدة كما تُركت ولكن هذا لم يُجدِ ولو حتى بالقليل..

عانت ميّ كثيراً بموت جبران وقالت راثيةً لسان حالِها:

"مات الذين كانوا هنا وملأوا الحياة عليّ، غادروا دفعة واحدة لدرجة أني أشعر أحياناً أنهم تخلوا عني بقصدية مسبقة أو أن الرب يعاقبني... مات أخي صغيراً ثم أمي وأبي وتبعه الرجل الحالم والعاشق دوماً الذي عوض أخي الميت، جبران (خليل جبران) .. سحرني بلغته وسحره المدوخيّن، كان يريدني قريبة منه بينما هو فيّ جزء مني لكني رفضت أن أكون مجرد رقم في حديقة نسائه.. لو قادني القدر نحو ذراعي جبران كنت طحنته بغيرتي وافترقنا بسرعة بشكل بائس وحزين وحقد لا يُمحى. نعم أنا سيدة الأقدار الحارقة، ورجل نشأ في الحرية ومات فيها لا يمكنه أن يدرك حرائقي مهما تواضع معي، كان سندي وصديقي وأخي الذي لم تلده أمي وحبيبي الأخر وموته دمرني".


قضت ميّ بعض الوقت في مستشفى للأمراض النفسية بعد وفاة جبران فأرسلها أصحابها إلى لبنان حيث يسكن ذووها فأساؤوا إليها وأدخلوها إلى"مستشفى الأمراض العقلية"مدة تسعة أشهر وحجروا عليها فاحتجّت الصحف اللبنانية وبعض الكتاب والصحفيون بعنف على السلوك السيء لأقاربها، فنقلت إلى مستشفى خاص في بيروت ثم خرجت إلى بيت مستأجر حتى عادت لها عافيتها وأقامت عند الأديب أمين الريحاني عدة أشهر ثم عادت إلى مصر.



وبعد سلسلةِ من المعاناةٍ ماتت الأديبة مىّ زيادة عام 1941 عن عُمر ناهزَ 55 عام




شارك برأيك

الواتس الذهبي